من هنا، لا يُقدّم الحجاب كخيار شخصي، ولا كجزء طبيعي من تنوع المجتمع، بل كإشارة بصرية محملة بدلالات ورموز جاهزة: التدين والانغلاق أو الخضوع للعادات والتقاليد، وبدل من إعطاء مساحة لهذه المرأة كجزء يُمثل شريحة واسعة من المجتمع اللبناني، تمارس حياتها بشكل طبيعي، تُختصر داخل قصة واحدة ونهاية واحدة بشكل متكرر، وتُصبح حركتها مقيّدة داخل النّص
في مسلسل 2020، تظهر المرأة المحجبة كجزء من النسيج الإجتماعي، وعنصر مهم في القصّة، كشرط أساسي فيها، داخل بيئة معينة، ولتخدم السرد القصصي للكاتب، لكن حضورها ليس بصفتها عنصر مستقل، بل كداعم، أو خلفية اجتماعية تستخدم لتأكيد صورة بيئة معينة
Sample Title
Sample Text
Sample Title
Sample Text
Sample Title
Sample Text
مسلسل 2020: خلفية اجتماعية لا أكثر
في إشارة واضحة للتحرر من قيد القرية وما تعانيه النّساء من ظلم وعنف فيها وعلى العكس، تختار "ريّا" حرّيتها المشروطة "بخلع الحجاب" عند وصولها للجامعة بدل من ممارسة حقها في التعليم من دون التطرق إلى الحجاب كمانع أو قيد
في بلدة "كفرحلم"، جميع النّساء محجبات، وجميعهن يعانين من القمع والعنف، وعدم القدرة على اتخاذ القرار، لتصبح حياتهن محصورة داخل جدران المنزل. ومن هذا الواقع، تظهر شخصية "ريّا" كاستثناء. فتاة تختار التعليم، تذهب إلى الجامعة سرًّا وتخلع حجابها عند وصولها إلى بيروت،
"ع أمل": التمرّد على القيد بخلع الحجاب إذا كانت المرأة في 2020 تُقدم عبر ظهور خجول ومقيّد، فإن لمسلسل "ع أمل"، أبعاد أخرى تحمل معاني كثيرة، تبدأ ببناء سردية كاملة حول المرأة، لكن ضمن إطار نمطي أكثر وضوحًا وحدّة. إذ يحصر العمل أحداثه في بيئة جنوبية مغلقة، تُقدم بلهجة واحدة وعادات واحدة ونظام اجتماعي قائم على فائض القوّة الذكورية.
ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال نفسه، لماذا يُربط التعليم بالخلع؟ ولماذا يُقدّم الحجاب كعائق بنيوي أمام المعرفة، وكأن النّساء المحجبات لا يرتدن الجامعات ولا يشغلن مواقع فاعلة في المجتمع؟
Sample Title
Sample Text
Sample Title
Sample Text
Sample Title
Sample Text
بين العملين: اختلاف الشكل، ووحدة المعنى
في الحالتين، الحجاب يتحوّل من خيار شخصي إلى رمز ثقيل، ومن ممارسة فردية إلى علامة تُستدعى عند الحاجة الدرامية. وحين يُعاد هذا النموذج مرارًا، لا يعود المشاهد يرى المرأة، بل يرى الرمز فقط.
رغم الاختلاف الظاهري بين «2020» و«ع أمل»، يجتمع العملان عند نقطة واحدة: المرأة المحجّبة ليست مركز الحكاية، بل موضوعها. تُستخدم لتوصيل رسالة، أو لتجسيد أزمة، لكن نادرًا ما تُمنح حق تعريف نفسها بنفسها.
وهنا، تتقاطع هذه السرديات مع ما أشار إليه الدكتور علي مكّي حول دور الإعلام في تصنيع النماذج، لا نقل الواقع كما هو. فالإعلام، حين يكرّر صورة واحدة، لا يعكس المجتمع، بل يقترح عليه طريقة محدّدة لفهمه. ومن هنا، لا تكمن المشكلة في حضور المرأة المحجبة داخل الدراما اللبنانية، بل في المساحة التي تُمنح لها والأدوار التي تُقدّم في إطار امرأة محجبة، سواء عبر ممثلة غير محجبة لتمثيل دور امرأة محجبة، أو من خلال صورة نمطية مكررة، ضعيفة وهشّة، لا تستطع لنفسها سبيلا سوى التحرر من هذا "الغطاء"، ليتحوّل الحجاب لاحقًا لعنوان الشخصية بدل أن يكون جزءًا منها.
ووفق ما تشير إليه الممثلة ملاك بزّي: لا تزال المرأة محصورة في أدوار تُعيد إنتاج الصورة نفسها: امرأة تعاني وتبحث عن خلاص، ويُقدم تحررها بوصفه انفصالًا عن حجابها، لا عن القيد الحقيقي الذي قد تواجهه أيّ امرأة في المجتمع سواء كانت ترتدي الحجاب أو لا. تقول بزّي، أن الإشكالية لا يمكن حصرها بقدرة المرأة على التمثيل، بل بسؤال أكثر جوهرية: لأيّ حد تشبه هذه النصوص واقع المجتمع اللبناني، ففي بلد متنوع كلبنان، حيث تعيش النساء المحجبات أدوارًا مهنيّة وفنيّة فاعلة، لا يمكن تجاوزها ولا حصرها، تبدو الدراما وكأنها تكتب عن مجتمع آخر لا يشبه ناسه.
ملاك بزّي - ممثلة ومديرة إنتاج
واقع النّصوص في الدّراما اللّبنانية
وتستحضر بزّي الدراما الايرانية كمثال لتقديمها امرأة محجبة كإنسانة كاملة، تظهر في أدوار مركبة وقوية ومتنوعة، لا تُختزل في دور واحد ولا صورة واحدة، وفي حين يُمنح الرجل مساحة الاختباء خلف شخصيته، تُصنّف المرأة منذ اللحظة الأولى، لتوضع في خانة معينة، قبل أن تُسمع أفكارها أو تُفهم. هذا التمييز البصري لا يعكس الواقع، بل يعيد إنتاج أحكام مسبقة تتكرس مع التكرار، لتصبح تذكارًا في عقل المشاهد عن امرأة اختارت أن تكون محجّبة في الواقع، لكنها تبدو مقيّدة فيه على الشّاشة.
ملاك بزّي - ممثلة ومديرة إنتاج
التّنميط في واقع الدّراما اللّبنانيّة
أمّا عم دور الإعلام، فترى بزّي، أنه لا يعكس الصورة فقط، بل يعيد إنتاجها أحيانًا أو تشويهها أحيانا أخرى. فالميديا كما تقول:" قادرة على نقل حقيقة ما إلى العالم أو طمسها بالكامل، وإذا كان اللبناني نفسه عاجزًا عن تقديم صورته للعالم كما هي، فكيف يمكنه مواجهة الصور الجاهزة عالميا أو مقاومتها؟
ملاك بزّي - ممثلة ومديرة إنتاج
دور الإعلام في صناعة الصّورة
إلّا أن هذا الجهل يتقاطع سريعًا مع منطق السوق التجاري، الذي يُفضّل، في كثير من الأحيان اختيار امرأة غير محجبة لأسباب تسويقية بحتة، ترتبط بنظرة تجارية للجسد بوصفه أداة جذب لقدر أكبر من المشاهدات.
على الضّفة الثانية، تُقدّم الممثلة سارة قصير طرحًا ووجُهًا مختلفة "للإقصاء"، فبحسب ما تقول: إذا أردنا النّظر إلى ما يُقدم "بحسن ظنّ"، فلا يعود تهميش المرأة المحجبة دائمًا إلى نيّة إقصائية بقدر ما هو جهل حقيقي بقدراتها الفنية وما هي قادرة على تقديمه.
الدكتورة سارة قصير - ممثلة ومدربة تمثيل
إقصاء المرأة المحجّبة عن مختلف الأدوار البطوليّة
في هذا السياق، تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مفصليًّا ولافتًا. تقول قصير: "لولا هذه المنصات لما أتيحت هذه المساحة للنساء المحجبات عرض قدراتهن التمثيلية بعيدًا عن سلطة المنتج والتمويل، وسمحت للمجتمع اللبناني، المعروف بتعدد طوائفه والمنغلق في كثير من الأحيان بأن يرى الآخر عن قرب.
الدكتورة سارة قصير - ممثلة ومدربة تمثيل
دور منصّات التّوتصل بالتّمثيل الذّاتي
وترى المخرجة أن هذه "صورة المرأة المضطهدة" التي تُقدّم للجمهور موجودة أيضًا بالواقع اللبناني، ولكن الأهم هو عدم تسليط الضوء عليها في كل عمل ودور يُمنح أو يُكتب لها. وأكّدت خير الدين أن الفرق الحقيقي يكمن في نظرة الآخر للمرأة بصرف النظر عمّا إذا كانت محجبة أم لا، إذ أن الأهم هو رؤيتها كإنسانة، مؤكدة أنها مرّت بمواقف عدّة هي وغيرها من النّساء، لكن من المهمّ التأكد أن يُتعامل مع المرأة كإنسانة وليس ك"حجاب" وأنه ليس بالأمر الصّعب، من دون أن يتحول حجابها إلى حاجز بينها وبين الآخرين.
ووفق ما تشير إليه الممثلة ملاك بزّي: لا تزال المرأة محصورة في أدوار تُعيد إنتاج الصورة نفسها: امرأة تعاني وتبحث عن خلاص، ويُقدم تحررها بوصفه انفصالًا عن حجابها، لا عن القيد الحقيقي الذي قد تواجهه أيّ امرأة في المجتمع سواء كانت ترتدي الحجاب أو لا. تقول بزّي، أن الإشكالية لا يمكن حصرها بقدرة المرأة على التمثيل، بل بسؤال أكثر جوهرية: لأيّ حد تشبه هذه النصوص واقع المجتمع اللبناني، ففي بلد متنوع كلبنان، حيث تعيش النساء المحجبات أدوارًا مهنيّة وفنيّة فاعلة، لا يمكن تجاوزها ولا حصرها، تبدو الدراما وكأنها تكتب عن مجتمع آخر لا يشبه ناسه.
ريان خير الدين- مخرجة مسرحية
التّعامل من مبدأ إنسانيّ و ليس مبدأ ديني
ولكن عندما تتعدى الصورة حدود الشّاشة، وتتخطى ردّة فعل المشاهد، تتحوّل إلى أثر نفسي يُسهم في بناء وتكوين الهوية الشخصية للنساء. من هنا، تقول المرشدة النفسيّة فاطمة نور الدّين، أن كل من الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي يلعب دور مهمّ في تشكّل الهويّة وصورة الذات لدى الرّجال والنّساء ولا سيّما النساء، فهذه الصورة وإن بدت "تمثيلًا" أو "دراما"، تتسرب تدريجيا من اللّاوعي إلى الوعيّ، وتتحوّل مع الوقت إلى معايير يقيس بها الأفراد أنفسهم من خلالها. وتشير نور الدّين، إلى أن الفتيات أكثر من الذّكور، يتأثرن بما يُعرض على الشّاشة، سواء عبر تقليد هذه الصورة أو محاولة مسرها كردّة فعل معاكسة.
وبينما تنجح بعض النساء بفعل النّضج والوعي في بناء هويّة أقلّ تأثيرًا، يبقى التأثير عاليًا لدى الغالبية، ولو بشكل غير مباشر. وفي الدراما اللبنانية، يتكرّس هذا الأثر النفسي من خلال سرديّة واحدة في تقديم امرأة محجبّة معنّفة، خاضعة، أو "مغلوب على أمرها"، لتبقى أسيرة أدوار الضّعف والقهر. ومع تكرار هذه الصورة، يبدأ بعض الأفراد بالتماهي معها، لا بوصفها خيارًا دراميا، بل كحقيقة اجتماعية. وفي المقابل، قدّمت وسائل التواصل الاجتماعي "البديل" الذي سمح بظهور نماذج مختلفة وجديدة غير التي اعتاد المشاهد رؤيتها في الدراما، نماذج لا تحتاج إلى "إذن" للحضور والتعريف عن الذات بما يُشبهها، تصنع خطابها بنفسها خارج النصوص المكتوبة سابقًا، وتُحفظ لتُقدم في مشهد "غير عادي" على الشاشة.
نفسيًّا، توضّح نور الدين أن الإعلام لا يعمل بمعزل عن المؤثرات الأخرى، كالعائلة والمدرسة والتقاليد الاجتماعية، لكنه يبقى عنصرًا مركزيًا ومحوريًّا لما يحمله من رسائل تتشكل عبر الزمن في بناء الذات، وتؤثر في وعي الفرد واختياراته، وفي حكمه على الآخرين حتى عندما يظن أنه غير متأثر. وبينما تغيب العدالة التمثيلية في الدراما، تُشرّع وسائل التواصل الاجتماعي أبوابها للمرأة بمعزل عن هويتها الدينية أو الثقافية، لتعطيها الحق في الظهور والتمثيل الذاتي، بحيث تفرض نفسها على هذه المنصات لا لأنها مُنحت الدور بل لأنها لم تُمنع عنه.
عند هذه النقطة، لا يعود السؤال محصورًا في “كيف تُصوَّر المرأة المحجبة؟”، بل في ماذا تفعل هذه الصورة بالنساء أنفسهن. فالصورة المتكررة لا تخلق فقط رأيًا عامًا، بل تساهم في تشكيل نظرة المرأة لذاتها، وحدودها، وما يُسمح لها أن تكونه، أو أن تحلم به. وهنا، يصبح التمثيل فعلًا نفسيًا بقدر ما هو فعل إعلامي، وتتحوّل الدراما من مساحة سرد إلى أداة تأثير عميقة في بناء الهوية.
بودكاست فاطمة نور الدّين مرشدة اجتماعيّة
التّأثير النّفسي للصّورة النّمطية للمرأة المحجبة على الفتيات المحجّبات
This Website Design was created with Nicepage Website Builder