لماذا تُختصر المرأة المحجّبة في الدراما اللبنانية بدور واحد، بينما تنجح، خارج النصّ، في تقديم سرديات متنوّعة عن نفسها؟
وفي هذه المساحة الرمادية، يبدأ السؤال الحقيقي بالتشكّل: لماذا يبدو الاعتراف بإنسانيتها الكاملة أسهل خارج الكاميرا، وأصعب داخلها؟
غياب العدالة التمثيلية
تقول الممثلة اللبنانية سارة قصير، عن التمثيل العادل للمرأة المحجبة في الدراما اللبنانية:"المرأة المحجبة توازي أكثر من نصف النساء في لبنان أو على الأقل مناصفةً، في كل المذاهب الإسلامية يوجد امرأة محجبة، وحتى في الطوائف المسيحية نرى الراهبة المحتشمة والساترة، يعني شبه حجاب، وهنا يمكن طرح هذا السؤال: هل المسلسلات أو الدراما اللبنانية تعكس هذا الواقع وهذه الأرقام؟ حتمًا لا، لانه وإن وُجدت امرأة محجبة في هذه المسلسلات، يكون حضورها خجول، تمرّ ك "كومبارس"، أمّا أدوار البطولة فتُعطى لغير النساء المحجبات، ومن هذه الرؤية، يمكن الإجابة على سؤال التمثيل العادل للمحجبات. والخوف الأكبر اليوم، هو السياسات والأجندات المتبعة في بعض الدراما، وخاصة عندما أصبحت ممولة من جماعة "البترو-دولار"، فهنا نرى
"هل وجود المرأة المحجبة التي تمثل بيئة محددة بصورة سيئة، هل هو عملٌ بريء؟"
ليست المسألة في الحجاب بحدّ ذاته، بل في المعنى الذي يُحمَّل له، وفي القصص التي تُبنى فوقه. في مَن يملك سلطة السرد، ومَن يُترك خارج الحكاية. فالصورة، حين تُروى من زاوية واحدة، تتحوّل إلى قيد. وحين تُعاد من دون مساءلة، تصبح نظامًا
صناعة "الرأي العام"
لا تتشكل الصورة من فراغ، بل تحتاج إلى إطار يحتضنها وسياق يفسرها ودلالات تُعبّر عنها، قبل أن تُبثّ للمجتمع بالصورة المختلفة، لكنها ليست إلّا "صورة نمطية
من هنا، لا يبقى الإعلام ناقلًا محايدًا لما هو قائم بل شريكًا في إنتاج هذا المعنى الذي يُصاغ بحبكة محكومة جيدًا لتلائم تداعيات المجتمع، فمن اختيار الزاوية، إلى الكادر، وصياغة الحوار، إلى نوع الموسيقى المرافقة لها، كلّا عناصر تُسهم في تظهير هذه الصورة، وإقصاء صور أخرى قد تحمل دلالات مختلفة
يشير الدكتور علي مكي، إلى أن الإعلام لا يكون دائمًا مرآة للواقع، بل منظومة قادرة على اقتراح نماذج جاهزة لفهم هذا الواقع. نماذج تُقدم بطريقة "مُعلّبة" و "جاهزة" على شكل مسلسلات وبرامج وبودكاست، وأحيانا تعليقات على فعل ما قامت به امرأة، لتكون هذه النماذج نتاج قرارات واعية أو غير واعية، تحكمها اعتبارات تجارية أو ساسية أو أيديولوجية. ومن هذا المنطلق، لا تُروى الحكايات فقط، ولا تُقدم بهذه السّردية البريئة والشّفافة، بل يعاد ترتيبها لتناسب سرديات أخرى.
حين تتكرر الصورة، لا تعد خيار سردي، أو مجرّد عمل فنّي، بل تتحول إلى نموذج ثم إلى قوالب جاهزة، تُقدم إلى المشاهد بوصفها جزء من "الواقع"، ومن صورة إلى صورة، وشخصية إلى شخصية، تتغير الأسماء لكن النتيجة واحدة. من هنا لا تعود المشكلة في حضور المرأة المحجبة داخل الدراما، بل في كيفية تقديهم للجمهور، والمساحة التي تُقدم لها من خلال هذه الأدوار.
في الدراما اللبنانية، وتحديدًا بين عاميّ 2020 و 2025، تبرز هذه الصورة النمطية بشكل واضح، ليس عبر عمل واحد، بل من خلال مسلسلات شكلت ذاكرة بصرية جماعية، وقدمت المرأة المحجبة ضمن مسار شبه ثابت، يبدأ بالقيد، وينتهي بالتمرد وأحيانا بالعقاب الأشبه بالموت.