من يملك حقّ الحكاية

المشكلة ليست في صورة واحدة، ولا في مسلسل واحد، ولا في حقبة زمنية محددة، بل أعمق من ذلك، في من يملك حق السلطة لتظهير هذه الصور والحكايات الأشبه بألف ليلة وليلة، في من يُسمح له أن يروي ذاته ومن يُكتب عنه البداية والنهاية، بدءًا من شارة وصولًا إلى تتر.

الدكتورة سارة قصير - ممثلة ومدربة تمثيل

رسالة إلى كلّ إمرأة محجّبة

في الحكاية الأخرى، التي تنقشها المرأة المحجبة وتُنسج بنفسها قصصًا مختلفة، ترفع صوتها وتُقدّم دورها، وتقرر الخطّ الزمني الذي منه تنطلق أو تتوقّف. على خلاف الدراما التي تحوّلت إلى دوّامة من التكرار، قدّمت منصات التواصل الاجتماعي المساحة البديلة، لتُظهر المرأة نفسها، لا كرد فعل ولا حالة استثنائية، بل كجزء طبيعي من مجتمع متنوّع الثقافات والطوائف كلبنان.

في الدراما اللبنانية، لم تُقصَ المرأة المحجبة بالكامل، لكنها حوصرت بقالب واحد وسرديّة واحدة لا تخدم سوى نصّ الكاتب، الذي يعيد تعريفها من الخارج ويربط حضورها بالقيد، ويحوّل خيارها الشخصي إلى عبء سردي ورمز ثقيل يلاحق الشخصية من البداية إلى النهاية، ومع هذا التكرار تتحوّل الصورة من وصفها احتمال حتى تصبح حقيقة كاملة لا تحتاج إلى مساءلة ولا لتثبيت.

إسراء دعموش - صانعة محتوى على منصات التواصل الاجتماعي

رسالة إلى كلّ إمرأة محجّبة

على هذه المنصّات، لا تُلغى ولا تُقصى النّساء المحجبّات ولا غير المحجبات، لكلٍّ مساحته الخاصة بالظهور والتعبير عن الذات، هناك لا تُلغى الأصوات ولا تُكتم، بل تُرفع لتُرى ولتُقدم الدور الذي تراه مناسبًا لها، وهناك لا يُقدّم الحجاب ك"عائق" أمامها، بل يُفهم كجزء من هوية المجتمع اللبناني.

من هنا، يطرح السؤال نفسه على صنّاع الصورة، من كتّاب النصوص إلى مخرجين ومنتجين: هل هذا هو الواقع المطلق للمرأة المحجبّة؟ وأيّ مجتمع تسهمون في تشكيله؟

ومن خلال ما ورد سابقًا، يمكن القول بأن الدراما، ليست مرآة بريئة بل ساحة قرار يبني ويهدم، ويتسرّب إلى الوعي ويؤثر في نظرة المجتمع للمرأة ، وفي نظرة المرأة لنفسها.
والتمثيل العادل، لا يعني إظهارها أو حضورها بل رؤيتها ك "شخصية كاملة"، وممثلة تملك أدوات مختلفة ومميزة، وليس توظيفها كمنتج تجاري أو تسويقي لخدمة المنتج أو ترويج لأفكار يُراد بثها في المجتمع.

بين الشاشة والمنصّة، تختلف الرؤية وتنكشف الفجوة بوضوح، لا تُقاس بعدد الأدوار، بل بنوعيتها، ولا بعدد الظهور بل بمعناه.
ربما آن الأوان ألّا تُطالب المرأة المحجبة بتغيير صورتها، بل أن تُطالَب الدراما بتوسيع خيالها إلى أبعد من خطّ الحجاب، وأن تنتقل من سرديّات جاهزة إلى قصص أكثر صدقًا، تشبه حقيقة الناس كما هم، لا كما يُراد لهم أن يُفهموا.